الجنيد البغدادي
240
رسائل الجنيد
لمحامدك سائقا قائدا إلهي ليس في أفق سماواتك ولا في قرار أرضك في فسحات أقاليمها من يحب أن يحمد غيرك إذ أنت منشئ المنشآت لا تعرف شيئا إلا منك وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك وبدؤه منك وأمره إليك وعلانتيه وسره محصي في إرادتك فأنت المعطي والمانع وقضاؤك الضار والنافع وحلمك يمهل خلقك وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك تحدث ما شئت أن تحدثه وتستأثر بما شئت أن تستأثره وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته لا تسأل عما تفعل لك الحجة فيما تفعل وعندك أزمة مقادير البشر وتصاريف الدهور وغوامض سر النشور ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ولا وهم الهواجس ولا إرادة الهمم ولا عيون الهمم التي تخرج بصائر القلوب إلهي فكيف أنظر إن نظرت إلا إلى رحمتك وإن غضضت فعلى نعمك فمن فضلك جعلت حكمك يحتمل على عطفك ومن فضلك جعلت نعمك تعم جميع خلقك فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك مما تعلمه يا وهاب يا فعال لما يريد واجعلني من خاصة أوليائك يا خير مدعو وأكرم راحم إنك أنت على كل شيء قدير ( حلية الأولياء ، ج : 10 ، ص : 283 ) . سمعت أبا الحسن علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول : اعلم أن المناصحة منك للخلق والإقبال على ما هو أولى بك فيك وفيهم أفضل الأعمال لك في حياتك وأقربها إلى أوليائك في وقتك واعلم أن أفضل الخلق عند اللّه منزلة وأعظمهم درجة في كل وقت وزمن وفي كل محل ووطن أحسنهم إحكاما لما عليه في نفسه وأسبقهم بالمسارعة إلى اللّه فيما يحبه وأنفعهم بعد ذلك لعباده فخذ بالحظ الموفر لنفسك وكن عاطفا بالمنافع على غيرك واعلم أنك لن تجد سبيلا تسلكه إلى غيرك وعليك بقية مفترضة من حالك واعلم أن المؤهلين للرعاية إلى سبيل الهداية والمرادين لمنافع الخليقة والمرتبين للنذارة والبشارة أيدوا بالتمكين وأسعدوا براسخ علم اليقين وكشف لهم عن غوامض معالم الدين وفتح لهم في فهم الكتاب المستبين فبلغوا ما أنعم به عليهم من فضله وجاد به من عظيم أمره إحكام ما به أمروا